الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
87
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد ، وفي العمل بالراجح ، وفي مراتب الترجيح ، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد أو لم يهتد إلى المعارض لقوله تعالى : وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً في معرض الثناء عليهما . وفي بقية القصة ما يصلح لأن يكون أصلا في رجوع الحاكم عن حكمه ، كما قال ابن عطية وابن العربي ؛ إلا أن ذلك لم تتضمنه الآية ولا جاءت به السنّة الصحيحة ، فلا ينبغي أن يكون تأصيلا وأن ما حاولاه من ذلك غفلة . وإضافة ( حكم ) إلى ضمير الجمع باعتبار اجتماع الحاكمين والمتحاكمين . وتأنيث الضمير في قوله فَفَهَّمْناها ، ولم يتقدم لفظ معاد مؤنث اللفظ ، على تأويل الحكم في قوله تعالى : لِحُكْمِهِمْ بمعنى الحكومة أو الخصومة . وجملة وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً تذييل للاحتراس لدفع توهم أن حكم داود كان خطأ أو جورا وإنما كان حكم سليمان أصوب . وتقدمت ترجمة داود عليه السلام عند قوله تعالى : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً في [ سورة النساء : 163 ] ، وقوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ في [ سورة الأنعام : 84 ] . وتقدمت ترجمة سليمان عليه السلام عند قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ في [ سورة البقرة : 102 ] . وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ هذه مزية اختصّ بها داود وهي تسخير الجبال له وهو الذي بينته جملة يُسَبِّحْنَ فهي إما بيان لجملة سَخَّرْنا أو حال مبينة . وذكرها هنا استطراد وإدماج . وَالطَّيْرَ عطف على الْجِبالَ أو مفعول معه ، أي مع الطير يعني طير الجبال . و مَعَ ظرف متعلق بفعل يُسَبِّحْنَ ، وقدم على متعلّقه للاهتمام به لإظهار كرامة داود ، فيكون المعنى : أن داود كان إذا سبح بين الجبال سمع الجبال تسبّح مثل تسبيحه . وهذا معنى التأويب في قوله في الآية الأخرى : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [ سبأ : 10 ] إذ التأويب الترجيع ، مشتق من الأوب وهو الرجوع . وكذلك الطير إذا سمعت تسبيحه تغرّد تغريدا مثل تسبيحه وتلك كلها معجزة له . ويتعين أن يكون هذا التسخير حاصلا له بعد أن أوتي النبوءة كما يقتضيه سياق تعداده في عداد ما أوتيه الأنبياء من دلائل الكرامة على اللّه ، ولا يعرف لداود بعد أن أوتي النبوءة مزاولة صعود الجبال ولا الرعي فيها وقد كان من